أعمدة

كولبيس واحلام

على هامش عيد الصحافة الغابر

رسالة إلى (سعد البزاز)

 

صباح اللامي

 

وبعد، فأستميح المشرق والقراء، لأقول:

كنا مجموعة من "الأصدقاء الزملاء" إذا هزمتنا الأيام، واحتجنا الى المال، لجأنا الى (أبو صيفي) أكثم العاني، المصمم الصحفي الأنيق، فهو أثرى فقرائنا وأكثرنا تنظيماً ودقة الى حدود كنا نأنس بها ونعدها جزءاً من (جمالاته الإنسانية). وأكثم حتى في جوده وكرم أخلاقه إنسان منظم حدَّ الإزعاج، فقد أقرضني ذات يوم ألف دينار ذهباً من دنانير ذهب أيام الثمانينات، فلم يحدد لي يوم إعادة المبلغ وحسب، إنما المكان والساعة. فعملت بما اتفقنا عليه، ولولا ذاك لكانت علاقتنا انتهت منذ تلك الأيام.

وقبل أيام اتصل بي هاتفياً، بعد فراق أكثر من عشرين سنة، إذ عرفت صوته من أول كلمة. وبعد سلام عادي جدا حتى لكأننا نرى بعضنا يومياً، أخبرني أنه حصل على رقم هاتفي من (حسين أبو شوارب) ووجد عنده بالمناسبة (نبيل أبو شوارب) وكلاهما مصممان صحفيان راقيان. والمشكلة أننا كنا نلقب (أبو صيفي) أيضاً (أكثم أبو شوارب).

هل تذكر هؤلاء الثلاثة: أبا الطيب؟

أنت لا تنسى لاثنتين، لأن لك ذاكرة التاريخ، ولأنك في (يدك البيضاء) طاقة متفجرة، وأنا لا أقول هذا الكلام جزافاً، لأن أغلبية الصحفيين والفنانين والإعلاميين والمثقفين الذين ذاقوا زقوم الغربة -وأنا باعتراف دائم منهم- عرفوا مع نغمات رنة هاتفك، رفرفات جناح السعد وهو يقول لأحبائه وزملائه وتلاميذه وأصدقائه: لا تحزنوا وهاكم قلبي تقاسموا دفئه.

أبا الطيّب، و(اليد البيضاء) في فضائية الشرقية:

أكثم العاني الإنسان المسالم، الجميل، سقط عن حصان كرمه برصاصة لئيمة من جندي أميركي، أعطبت إحدى رجليه. وأنفق أكثم كل ما عنده ليصلح بعض الخلل في ساقه. وقبل ذلك كان بيته في الدورة قد نسف خطأ باعتراف القوات الأميركية، التي اعترفت أيضا بخطأ الإطلاقة التي أصابت جسد أكثم. ولأن أكثم منظم ونظامي فقد وثق كل شيء وأقام الدعوى على القوات الأميركية، ولكن حبل القضاء طويل خاصة في زمن البساطيل والمساطيل والليل الطويل.

أخي أبا الطيب

يقول أحد سادة الكلام: من نعم الله عليك حاجة الناس إليك.

وها أنا ذا أزجي التحيات المعطرة بالمودة للأخ والإنسان والمبدع، وأخاطبه بلسان الحاجة الى الله أولاً وإليه ثانياً لإنقاذ (أكثم) ولو عبر برنامج (اليد البيضاء) لأنه يحتاج الى علاج دقيق للأعصاب التي تلفت من جراء رصاصة الرامي اللئيمة. إنّك ستفرح العشرات من محبيك وزملائك وأصدقائك. لذا ننتظر استجابة جميلة من إنسان صديق جميل ونحبه.

 

 

 

 

حال الدنيا

امرأة من زمن التلوث

 

أسماء محمد مصطفى

كاتبة وصحفية عراقية

 

هذه تجربة حقيقية لأمرأة عراقية لم تكتشف مافعله بها التلوث البيئي الا بعد فوات الاوان! احكي لكم الحكاية، بصوتي وقلمي وبقلبها و وجرحها، وانقل لكم شعورها، عسى ان يصل صوتها وجرحها الى من بيده انقاذ بيئتنا، فيستفزه الالم وهو يقرأ ما فعلته البيئة المشوهة بالناس، ومنها هذه المرأة التي تدور في رأسها  اسئلة نابعة من عذاباتها:

ما الذنب الذي اقترفته لتكون ضحية من ضحايا الحروب التي ابتلتنا بالملوثات ؟! ماذنب العراقيين المعذبين من جراء امراض البيئة ؟ ومن جراء الفقر وافتقار واقعهم المعاش الى ابسط شروط الحياة ؟!

***

لنبدأ البوح من قلب هذه العراقية:

قيل لي ان انتظر طفلاً .. لم استطع حبس فرحة قلبي وراء شفتي ، ملأتني احلام كبيرة عن الطفل المقبل.

حلمت به  ابيض كحلمي الجميل الناصع ، كروح الحب ، كضوء القمر في ليالي الصحو..حلمت به احمر الخدين كورد الربيع يتفتح وقطرات ندى الصباح تهبط اليه..

حلمت به ضوء الفجر يشق زرقة  سماوية في طريقه الى قلبي ومعنى وجودي..

حلمت بردائه اخضر ،  فراشة تحلق على اصداء  اناشيد الحقول..

وحلمت وحلمت وحلمت..حتى اندلعت الحرب في العام 2003 وكاد ازيزالطائرات يفطر رأسي في الشقة الصغيرة التي اضطررت للسكن فيها بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة.

صبرت على  دخان الحرب ، حتى تساقطت اواخر ايام الحرب قنابل عنقودية فوق المبنى الذ ي اسكنه وفررت واعتقدت انني بخلاصي من القنبلة العنقودية انقذت حياتي!

انتهت الحر ب.

وحان موعد ولادة طفلي  .. ولد وبه علّة كبيرة!!

تمسكت بالامل وانا احمله على دموعي الى الاطباء ، لكن الجواب كان يأتي دائما : لاجدوى!!

طفلي لن يشفى  .. ربما لن يعيش طويلا ً..كيف حصل ذلك ؟ وما السبب ؟

قررت ان انسى الحياة ، ان اتركها خلفي .. لكن ثمة سؤال كان يلح في ذهني : لماذا ولد طفلي  مشوهاً ؟ لماذا ولد واحلامه بلا اجنحة ؟!

بحثت عن الجواب لدى اهل الطب ، فكان ان الجو اصابني بفيروس..

الجو الملوث بدخان الاسلحة والحروب .. ودخان حرق النفايات في الشوارع والازقة السكنية .. ومن ثم دخان المفخخات والمولدات الكهربائية .. هذا هو الجو عندنا..والان ثمة اصوات وطنية تنادي من اجل استعادة البيئة صورتها البدائية الاول حيث السماء الصافية والبحيرة العذبة والطريق الاخضر ، وحيث لا صوت رصاصة يعلو فوق زقزقة العصافير ، وحيث لادخان حرب يغطي وجه السماء ، لكن من يعيد لي ارجوحة احلامي حيث كنت احلق بها نحو القمر، كي يدغدغ تطلعاتي ؟!

ماالذي يمكنكم ان تفعلوه لتعيدوا زمني الى الوراء علني لااحلم بطفل تحت سماء لم تعد نقية ؟

ان قدمتم للبيئة رداءً من الجمال الاخضر ، فلن تتمكنوا من منح طفلي جناحين يحلق بهما نحو احلامه!

لكن ، يالبؤسي ..  ما الذي اقوله لكم..بل حاولوا وحاولوا انقاذ البيئة من احزانها، من ذلك الدخان الذي شوه معالم الحياة علكم بهذا تدرؤون عن نساء اخريات الامر الذي تعرضت له .. وتعرضت اليه نساء اخريات قبلي .. اعيدوا للسماء زرقتها الصافية ، وللماء صفاءه ، من اجل إمرأة اخرى ، من اجل طفل اخر.. نعم ، انقذوا الاخريات ، وانسوني على قارعة الطريق الراحل صوب المجهول بلا احلام .. فطفلي بلا غد ، فكيف يكون لي غد ، وإن ابتسم القمر ذات مساء صافٍ خالٍ من الدخان ؟! دخان المفخخات والحروب والشوارع ..؟!

لكن ، لاتنسوا وانتم تزرعون الشجر عند عتبات بيوتكم في الوطن،  ان تزرعوا لي شجرة  حلم جميل..

امضوا في طريقكم الى الامل ، ولاتأبهوا بدموعي ، ليست دموع يأس .. انا انتظر ان تورق الشجرة التي تزرعونها عند عتبة باب حلمي ، لكي تتفيأ تحتها نساء سواي .. فابتسم وافرح لانهن سيبقين مزروعات كالفرح في القلوب ساعة الصحو.

ازرعوا الشجرة عند بوابة  احلامي ، لتمنحوا ابتسامتي خلودها.. ومثلما تزرعون في الارض وردة ، ازرعوا في قلبي ابتسامة.