|
سياسة |
|
ماذا حدث داخل البيت الأبيض؟ إندفاع نحو الغزو برغم كشف زيف قضية اليورانيوم
الحلقة (2)
يواصل ماكليلان فضحه لأساليب الإدارة الأميركية من أجل تسويق الحرب على العراق، مؤكدا أن بوش لم يكن صريحا أو مباشرا بشأن القضية وأنه اعتمد الدعاية على نحو بالغ لتمرير مشروعه للغزو. وحسب رؤية المؤلف فإنه إذا كان من الصعب على أحد أن يجزم كيف سينظر إلى الحرب بعد عقود من الآن، فإن رأيه هو أن الحرب يجب أن تشن عندما تكون ضرورية، فيما أن الحرب على العراق لم تكن كذلك. وعلى ذلك وفي إطار تعزيز روايته لزيف مواقف الإدارة في فترة ما قبل الحرب يشير المؤلف تأكيدا لكذب قضية مساعي العراق الحصول على يورانيوم مخصب من النيجر إلى أنه في 7 آذار 2003 كان تفجير محمد البرادعي رئيس وكالة الطاقة الذرية لمجلس الأمن لقنبلة مؤداها أن هذه المزاعم غير حقيقية وأنه ليس هناك دليل عليها.وهنا فإن ماكليلان يبدي دهشته من أن هذه الشهادة التي تدحض هذه الكذبة على الملأ لم توقف الاندفاعة نحو المواجهة العسكرية فكانت الحرب في 19 مارس من العام ذاته. ويلحظ القارئ استحواذ هذه القضية المتعلقة بالتزييف الذي جرى بشأن أسلحة الدمار الشامل على قدر كبير من اهتمام المؤلف في إطار ما يراه أنها مثلت الأساس الذي تم بناء عليه كل المشروع الأميركي للغزو فيذكر أنه في 31 مارس سلط الكاتب الصحفي المشهور سيمور هيرش والمعروفة بصلاته الواسعة مع الوسط السياسي الأميركي المزيد من الضوء على زيف الادعاءات الخاصة بقضية يورانيوم النيجر. غير أن هيرش لم يكن يمتلك معلومات محددة مثل تلك التي استطاع نيكولاس كريستوف في النيويورك تايمز التوصل إليها، الأمر الذي أثار البيت الأبيض وأدخله في دوامة من المشاكل انتهت بقضية التحقيق مع بعض مسؤوليه. نشر كريستوف مقالا معتمدا على مصدر مجهول لم يحدده، وإن كان يتسم بالمصداقية يشير من خلاله إلى أن الإدارة تعمدت تضليل الأمة بشأن الحرب على العراق. فقد أخبر سفير أميركي سابق في أفريقيا كريستوف بأنه تم إرساله إلى النيجر من أجل توضيح الموقف بناء على طلب مكتب نائب الرئيس بشأن سعي العراق إلى الحصول على يورانيوم. وقد كتب كريستوف أن المبعوث المجهول أخبر السي آي ايه ووزارة الخارجية أن المعلومات خاطئة تماما وأن الوثائق مزورة. وحسبما يشير المؤلف فإن كريستوف يؤكد رغم كل ما تم الإشارة إليه بشأن القضية أن الإدارة كانت تعلم بزيف قضية اليورانيوم من النيجر. وعزز من ذلك أنه فيما كانت القوات الأميركية تخوض الحرب في العراق، ووسط تزايد التوقعات بالكشف عن أسلحة الدمار الشامل، لم يتم العثور على أي شيء يؤكد المزاعم الأميركية. ومن هنا كان الأمر بمثابة فضيحة للإدارة عززت التصورات بأن الرئيس وإدارته خدعا الكونجرس والرأي العام من اجل تمرير قرار الحرب على العراق. وبدأت الاتهامات للرئيس بأنه تعمد تضليل الأمة بالمبالغة في المعلومات الاستخبارية من أجل تبرير الحرب. وكان منتقدو الحرب في أفضل الأحوال يرون أن الرئيس لم يكن واضحا بما فيه مع الشعب الأميركي بشأن القضية وكان الاعتقاد السائد بأنه ومستشاروه ربما تجاهلوا أو غضوا الطرف عن التحذيرات والتناقضات في الأدلة بشأن القضية من أجل جعل تهديد العراق يبدو أكثر خطورة عما هو عليه في الواقع وأنهم بذلك أوجدوا شعورا بكونه حالة طارئة تستدعي التدخل السريع وهو ما مكنهم من الحصول على المساندة الشعبية اللازمة. وسط هذه التطورات بدأ تحرك البيت الأبيض وبالتحديد مكتب نائب الرئيس تشيني العمل على مواجهة التصريحات التي نشرها كريستوف من خلال عمل عدواني في ضوء ما يمثله من خطورة على مصداقية نائب الرئيس بالتحديد إزاء الدور الكبير الذي لعبه في هذا الصدد وبدأت العمليات على هذا الصعيد ايار2003. ومن خلال التحريات علم مكتب تشيني بطبيعة المصدر المجهول الذي زود كريستوف بالمعلومات وهو جوزيف ويلسون الذي سافر إلى النيجر على خلفية القضية. ومستغلا توصيف "مصدر مجهول" بدأ مكتب تشيني وبشكل خاص سكوتر ليبي على الفور جهدا لتقويض مصداقية ويلسون من خلال مجموعة منتقاة من الصحفيين. وفي هذا الخصوص قام ليبي ومجموعة أخرى من كبار مسؤولي البيت الأبيض ومنهم حسب المؤلف ريتشارد أرميتاج وكيل الخارجية الأميركية وكارل روف وآري فليشر بتسريب اسم زوجة ويلسون ..فاليري بالم..باعتبارها عميلة سرية للمخابرات الأميركية وأنها سهلت أمر زوجها في الحصول على مهمة العمل في النيجر. ومن المفارقات أنه بالعودة إلى تصريحات تلك الفترة نجد أن ماكليلان يصف هذه الاتهامات بأنها سخيفة. يقول المؤلف: لقد كان لهذا الأمر تأثير بعيد المدى على مصداقية إدارة بوش، وهو الموقف الذي يحاول ماكليلان الدفاع فيه عن نفسه بالإشارة إلى أنه حتى ذلك الوقت كان نائب المتحدث الصحفي للبيت الأبيض، وأنه كان سيحل محل آري فليشر الذي قرر الرحيل. وعلى ذلك لم تكن واجباته تسمح له بأن يكون على اطلاع بشأن الجهود التي يبذلها مجهولون من أجل تقويض مصداقية ويلسون وأنه كان يصدق رؤساءه في العمل، ولم يكن لديه سبب لكي يشك في نزاهة الرئيس. ويقدم لنا عريضة دفاع يصعب على القارئ أن يصدقها، مشيرا إلى أنه لم يتصور أن يكون له دور في مثل هذه الدراما التاريخية.من هذه الرواية التي تمثل فضحا لما قام به مسؤولون رئيسيون في البيت الأبيض في الترويج للمزاعم الوهمية بشان مسعى الحصول لتطوير أسلحة دمار شامل باستخدام يورانيوم مخصب من النيجر، ينقلنا المؤلف إلى جانب آخر يتعلق بتصوره للرئيس بوش والآمال التي كان يعلقها عليه على صعيد توجهات السياسة الأميركية. في هذا الصدد يقول المؤلف: إننا إذا كنا نطمح إلى قادة عظام يقومون على مهام تحقيق الرؤى المثالية التي نحلم بها، فإن هؤلاء القادة وجدوا على أرض الواقع في الولايات المتحدة. وفي وصلة امتداح لبوش يقول إنه رغم أنه لم يكن يرى فيه الطبيعة الكاريزماتية أو الزعيم الملهم عندما عمل معه للمرة الأولى فإنه كان يرى أن بوش يمتلك ما يكفي من الصفات لكي يكون رئيسا جيدا إذا لم يكن عظيما، وهو ما جعله يرحب بعرض الرئيس في 1999 أن يكون ضمن فريقه، حيث اعتبر العرض بمثابة فرصة لأن يكون جزءا من مشروع كبير. وزاد من حماسه سجل بوش في تكساس على نحو جعله يعتقد أنه يمكن له أن يغير من السياسات في واشنطن. ولكن الواقع جاء إلى حد كبير مخيباً للآمال، وهو ما يؤكد عليه من خلال رواية فصل ثانٍ من فصول قصة غزو العراق يتعلق بمساعي الإدارة لتسويق الحرب. وفي هذا الإطار يستعرض المؤلف تفاصيل مرافقته لبوش في رحلة إلى أيوه في 16 ايلول 2002، مشيرا إلى أن بوش كان قد ألقى كلمة قبل تلك الرحلة مباشرة أمام الأمم المتحدة، اعتبر مضمونها مؤشرا على انطلاق جهد أميركي لحشد المجتمع الدولي ضد العراق على النحو الذي يدعم القيام بعمل عسكري ضده. ويقول المؤلف إن بوش لخص الموقف ضد النظام العراقي بزعامة صدام على النحو التالي: معاملته الوحشية لمواطنيه العراقيين وعمليات الخداع التي يمارسها وعدم احترام قرارات الأمم المتحدة التي تطالبه بإزالة أسلحته الكيماوية والبيولوجية وسعيه للحصول على أسلحة دمار شامل، ومساندته للإرهاب. كل ذلك كان يضع العراق من وجهة نظره في مرتبة تمثل خطرا يجب مواجهته ويصعب تجاهله خاصة فيما بعد أحداث ايلول. وعلى ذلك أعلن بشكل لا لبس فيه عن نواياه، والتي مثلتها السياسة التي قررها منذ شهور مضت. كانت الخطة وفق السيناريو الذي يرويه ماكليلان البدء بما يصفه بإطلاع الشعب على التهديد الذي يمثله العراق. ويقرر ماكليلان أن الرئيس وفريقه للأمن القومي وباقي المستشارين الآخرين استخدموا الأمم المتحدة كفرصة للتهويل من خطورة هذا التهديد وضرورة الإسراع بمواجهته. ويؤكد المؤلف الفكرة التي أشار إليها الكثيرون خلال فترة الإعداد للغزو وتتمثل فيما كان يذهب اليه أركان في الإدارة من أن الضغط الدولي قد لا ينجح في إجبار صدام على الانصياع طواعية وأنه على هذه الخلفية كان تشيني يرى أن طريق الأمم المتحدة ليس له من ضرورة، وذلك استنادا إلى أن المرة الوحيدة التي انصاع خلالها صدام حسين إنما كانت خلال حرب الخليج الأولى عام 1991 حين استخدمت القوة. غير أن هذه الرؤية لم تجد طريقها إلى النور في ضوء معارضة آخرين في الإدارة لها، وتأكيدهم ضرورة التأكيد للشعب أن الموقف الأميركي لا ينطلق من رغبة في الحرب وأنه سلك كافة الطرق الدبلوماسية من أجل تغيير مواقف النظام العراقي، وأنه على ذلك فإن الحرب الخيار الأخير. وعلى هذا الأساس كان الإنذار الأخير من قبل بوش وفحواه أنه إما أن تتصرف الأمم المتحدة بدون تأخير وبدون أي نوع من التسامح أمام مزيد من الخداع من قبل النظام العراقي، وإما أن تقود الولايات المتحدة عملا عسكريا من أجل العمل على هذا الطريق.وفي إطار استعراضه للأجواء التي كانت تسود تلك الفترة يذكر ماكليلان أن الإدارة الأميركية أجادت استغلال حالة الرأي العام حيث كان يميل إلى تأييد مواقف البيت الأبيض في ضوء أحداث ايلول التي كانت حاضرة بقوة في ذهن المواطنين الأميركيين. في هذا المناخ وخلال احتفال بذكرى تلك الأحداث راح بوش يدعو إلى نشر الحرية في العراق قائلا: لن نسمح لأي إرهابي او طاغية بتهديد الحضارة بأسلحة الدمار الشامل. الآن ومستقبلا سيعيش الأميركيون أحرارا من الخوف ولن يكونوا تحت رحمة أي تآمر أجنبي.وعزز هذا التوجه للرئيس تزايد عدد من يرون ضرورة عزل صدام من خلال عمل عسكري حيث وصل إلى 74% في تشرين الثاني2001 ولكن مع نهاية صيف 2002 ووسط تصاعد المخاوف من قبل حلفاء الولايات المتحدة بشأن تكلفة الغزو سواء على مستوى الخسائر البشرية أم المالية، فإن هذا التأييد تراجع إلى مستوى أغلبية هزيلة طبقا لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة جالوب من قبل صحيفة "يو إس أيه توداي". وإن كان الموقف في النهاية رجح موقف البيت الأبيض. وعلى صعيد الأرقام يذكر ماكليلان أن أكثر من ثمانية بين كل عشرة أميركيين كانوا يعتقدون أن نظام صدام حسين يساند منظمات إرهابية تعتزم مهاجمة الولايات المتحدة وأكثر من تسعة من بين كل عشرة كانوا يعتقدون بأنه يمتلك ويطور أسلحة دمار شامل. كما أن الغالبية كانت تعتقد كذلك بأن صدام حسين متورط في أحداث 11 ايلول.
الإمساك بزمام الأمور في العراق
كوني رجعت مؤخرا من مصر ، ما زالت قناة السويس في ذاكرتي. وفيما نظري يتجه نحو العراق من القاهرة كانت الخواطر التي تواردت على ذهني أن العراقيين ربمل اجتازوا لتوهم قناة السويس ، إذا كان ذلك قد حدث فتلك أخبار سارة. ما الذي أتحدث عنه؟ لم يكن ممكنا بأي شكل أن يقيم الرئيس المصري أنور السادات السلام مع إسرائيل لو أنه لم يشن أولا هجومه المباغت عبر قناة السويس في يوم الغفران عام 1973. "العبور" كما هو معروف في مصر ، كان مهما من الناحية النفسية بقدر أهميته العسكرية. لقد محا خسارة مصر المهينة في حرب العام 1967 ، وأعطى المصريين الكرامة والثقة بالنفس لصنع السلام مع إسرائيل كندين من الناحية العسكرية. وعلى الرغم أن الواقع العسكري أكثر تعقيدا ، فإن المصريين ، مع ذلك ، شعروا بانهم حرروا سيناء بأنفسهم. واحد من أول الأشياء التي لاحظتها عندما زرت العراق بعد الاجتياح الأميركي هو أن حقيقة أن العراقيين لم يحرروا أنفسهم ، بل تحرروا على يد الأميركيين ، كانت مصدر إذلال بالنسبة لهم. إنه أحد الأسباب التي جعلتهم لا ينثرون الورود. عندما يحررك شخص آخر في وطنك فإن الأمر مذل - وأنا أعتقد أن الإذلال هو أكثر قوة جرى التقليل من قيمتها في العلاقات الدولية ، وخصوصا في الشرق الأوسط.وهذا أيضا يساعد في توضيح لماذا لم يتول العراقيون مبدئيا إدارة مؤسساتهم الحكومية ، ذلك إنهم لم يقاتلوا أبدا للحصول عليها ، لقد سلمت لهم. يجب على الناس أن يقاتلوا من أجل الحصول على حريتهم ، إنه ما يعطي الشرعية لمؤسساتهم.ما يبدو أنه حدث في العراق في الشهور الأخيرة هو أن التيار العراقي السائد قد قام أخيرا بتحرير نفسه بعض الشيء. بمساعدة زيادة القوات التي أمر بها الرئيس بوش ، حرر التيار السائد من العشائر السنة أنفسهم من قبضة القاعدة في مناطقهم ، كما أن الشيعة - الذين يمثلهم رئيس الوزراء نوري المالكي والجيش العراقي - حرروا البصرة والعمارة ومدينة الصدر في بغداد من المسلحين وفرق الموت الموالية لإيران. ذات يوم ، وعندما ننظر إلى الوراء ، ربما نعتبر ما سبق هو حرب العراق الحقيقية للتحرير. وان الحرب التي قدناها قبل خمس سنوات لا قيمة لها. ولأن العراقيين الآن لديهم روايتهم الخاصة لتحرير نفسهم ، فيبدو أنها تعطي المزيد من الشرعية والثقة بالنفس لنظام المالكي والجيش العراقي - كما يبدو أنه شجع السنة على المشاركة في الانتخابات البرلمانية المقبلة - بعد المقاطعة الواسعة للانتخابات السابقة. والأكراد كانوا قد حوروا أنفسهم أصلا ، ولديهم هذه الثقة بالنفس.إن ما ساعد في ذلك هو أن القاعدة وإيران تمادتا كثيرا. لقد كنت اعتقد دوما ان هنالك شيئا واحدا جيدا حول المتطرفين: إنهم يعرفون متى يتوقفون. القاعدة في العراق قامت بثورات قاتلة ضد أي من السنة الذين عارضوها ، قطعت الرؤوس ، وفرضت زواجات بالإكراه ، وذبحت الشيعة بالمئات. وفي أثناء ذلك ، كان المتشددون الشيعة يحاولون فرض نظام شبيه بطالبان في البصرة وبغداد - بدءا من فرض الحجاب حتى منع الكحول - في منطقة ذات أغلبية شيعية علمانية إلى حد كبير.أخيرا ، يبدو أن قمع المسلمين ضد المسلمين قد أشعل الغضب ، وأظهر أنهم لن يحتملوا المزيد ، وهو ما عزز الدافع لدى السنة والشيعة لتحرير أنفسهم من متطرفيهم ، وبقيامهم بذلك ، كانوا في الواقع يمسكون بزمام الأمور في بلدهم.الغريب في الأمر أن من رأى رد الفعل العكسي قادما وبصورة أفضل من غيره وحذر من أنه سيرتد على القاعدة هو أيمن الظواهري ، الساعد الأيمن لأسامة بن لادن. هل تذكرون تلك الرسالة الشهيرة التي يعود تاريخها إلى التاسع من تموز 2005 ، والتي أرسلها الظواهري إلى قائد القاعدة في العراق ، أبو مصعب الزرقاوي؟ لقد حذر الظواهري الزرقاوي بضرورة وقف قتل العديد من الشيعة ، وحتى قتل السنة ، في حملة التفجيرات الانتحارية وعمليات الخطف.قال الظواهري في رسالته "العديد من المسلمين المعجبين بكم من بين العامة يستغربون هجماتكم على الشيعة. إن حدة هذا التساؤل تزداد عندما تكون الهجمات ضد أحد المساجد.. ورأيي أن مثل هذا الأمر لن يكون مقبولا بين عامة المسلمين ، ومهما حاولت تبريره ، فإن البغض له سوف يتواصل.. كما أن مشهد ذبح الرهائن هو من بين الأشياء التي لا تقبلها ولا تستسيغها جماهير المسلمين التي تحبك وتدعمك.لكن الزرقاوي لم يأخذ بالنصيحة. لكننا ننصح بالتالي: هذه الحروب المتوازية لتحرير النفس لم ترق بعد إلى مستوى حركة وحدة وطنية. الحرب الأهلية ربما ما زالت في مستقبل العراق. لا يملك من السنة أو الشيعة "العبور" الخاص بهم. العراق ما زال بعيدا جدا عن أن يكون في وضع صحي. والآن ، وبما أن مجتمعات السنة والشيعة يتحملون المزيد من المسؤوليات في بلدهم ، فإنك سوف ترى صراع قوة مكثفا حول من يهيمن داخل كل مجتمع. وبوجود دولارات النفط ، فإن هنالك المزيد للقتال من أجله.لكن إذا كنا محظوظين ، فإن هذا الصراع سوف يتطور في الساحة السياسية في المقام الأول. وإذا لم نكن محظوظين؟ حسنا، دعونا نأمل أن نكون محظوظين.
الوقت مناسب تماماً للإتفاق بشأن الوجود الأمريكي في العراق
كتبت مؤخرا حول موضوع يحتل بؤرة التركيز في حملات الانتخابات الرئاسية الأميركية إلا أنه مرشح للاشتعال على المدى القريب. وأعني موضوع ما إذا كان على الولايات المتحدة أن توقع اتفاقا أمنيا مع العراق حول وضع القوات الأميركية قبل أن يغادر الرئيس بوش منصبه. مثل هذا الاتفاق من شأنه ان يحدد مستقبل دور القوات الأميركية في العراق حيث إن التفويض الذي منحته الأمم المتحدة والذي يخول التواجد الحالي للقوات سوف ينتهي مع نهاية 2008.ويخشى الديموقراطيون أن مثل هذا الاتفاق سوف يغل يدي الرئيس المقبل حول سحب القوات ومن ثم فهم يحشدون موقفهم لمعارضة هذا الاتفاق. وأزعم ان توقيع الاتفاق خلال هذا العام من مصلحة باراك أوباما.وقد أعقبت التقارير الأولية حول اتفاق وضع القوات سواء في واشنطن او بغداد تناقل الإشاعات حول طلب الولايات المتحدة الحصول على صلاحية لإقامة 58 قاعدة عسكرية الى جانب منح حصانة للمقاولين الأميركيين مثل بلاك ووتر سيئة السمعة (هناك اتفاقات أمنية وقعتها الولايات المتحدة مع اكثر من 80 دولة إلا أن أيا منها لم يكتنفه مثل هذا اللغط المثار). وقد أثارت فورة روح القومية في العراق بالاضافة الى الضغط السلبي من ايران تساؤلات حول ما إذا كان الاتفاق سيحصل على موافقة ثلثي أعضاء البرلمان العراقي لتمريره.وبعد ان أدرك المسؤولون الاميركيون تجاوزهم تراجعوا عن المطالب الأولى التي تقدموا بها. وتكشف الحوارات التي أجريتها مع مسؤولين اميركيين وعراقيين عن أن الموقف الأميركي قد تغير بالفعل حول القضايا التي تثير القدر الأكبر من القلق للعراق على الرغم من استمرار عملية التفاوض.فمقاولو القطاع الخاص لن يكون لهم حصانة من القانون العراقي كما أن الجيش الاميركي لن يكون قادرا بعد ذلك على احتجاز عراقيين إلا أنه سيقوم بالتنسيق مع المسؤولين العراقيين حول اعتقال عراقيين ونقلهم الى السيطرة العراقية. كما سيجري تنسيق العمليات العسكرية الأميركية داخل العراق مع المسؤولين العراقيين.وقد أخبرني هوشيار زيباري وزير الخارجية العراقي خلال مقابلة معه في واشنطن أنه بالنسبة للـ 58 قاعدة عسكرية فهي تلك المواقع التي تعمل فيها القوات الأميركية الآن وهي ليست قواعد دائمة وسيكون وجودها متوقفا على إذن الحكومة العراقية خلال فترة الاتفاق.وردا على تساؤل حول مدتها قال " نحن نتحدث عن سنة او سنتين ثم يتم مراجعة الاتفاق او إنهائه وعودة القوات الى اميركا" وطرحت عليه السؤال التالي : ماذا عن المزاعم حول احتمال استخدام الولايات المتحدة تلك القواعد لشن هجوم على ايران؟ قال : الاتفاق سيتضمن مرجعا واضحا ان العراق لن يستخدم في القيام بهجوم ضد جيراننا. وعندما ضغطت بسؤال حول ما إذا كان الاتفاق قد يسمح للقوات الاميركية بالقيام بعمل دفاعي عبر الحدود مع ايران ردا على اعتداءات ايرانية مزعومة ، أجاب زيباري مسرعا : لن تستخدم في شن هجمات على دول أخرى.كما شدد ايضا على ان الاتفاق سيكون شفافا ولن يكون سريا ولكن سيكون معلنا وسيعرض للتصديق عليه. واضاف أن الاتفاق لن يتضمن أي شيء يلزم الولايات المتحدة بالدفاع عن العراق. (وهذا هو السبب أن الاتفاق يعد ترتيبات تنفيذية أكثر منه معاهدة ومن ثم لا يتطلب موافقة من الكونجرس عليه).ومما قاله زيباري فالاتفاق أبعد من أن يكون ملزما للإدارة الأميركية القادمة. فإذا كان بمقدور أي من الطرفين الانسحاب من الاتفاق بموجب اخطار مدته عام او عامين فهو لن يكون مقيدا لأيدي الرئيس القادم.ولكن لماذا العجلة في توقيع الاتفاق الآن ؟ ولماذا لا يتم الانتظار وإعطاء الرئيس القادم الفرصة لكي يصوغ شروطه؟ مبدئيا يمكن للعراق ان يطلب من مجلس الأمن تمديد التفويض الحالي على الرغم من ان ذلك يمكن ان يكون أمرا صعب التحقيق في هذا الوقت المتأخر. وميزة الاتفاق تكمن في كلمة واحدة : الاستمرارية. فالرئيس الأميركي القادم سيتولى منصبه في وقت يشهد فيه العراق تقلبات شاملة. وأي تقييمات تجري حاليا ربما تصبح في شباط القادم جزءا من الماضي.ومع أن تقدما هاما في الأمن تم تحقيقه إلا أنه تقدم هش ومن الممكن أن يتبدل. والحرب الطائفية خبت جذوتها إلا أن الصراع على السلطة مستمر داخل الطوائف.وعلى الرغم من أن الحكومة العراقية تتمتع بعوائد النفط الا أنها لم تطور قدرتها على تقديم الخدمات وإيجاد فرص العمل. ومن المقرر اجراء انتخابات في المحافظات هذا الخريف إلا أنها قد تتأجل حتى أوائل العام القادم.والرئيس القادم سواء كان ديموقراطيا أو جمهوريا سيكون عليه إعادة دراسة الموقف العراقي بمجرد توليه منصبه. فهو سوف يرث موقفا على مفترق الطرق في العراق : إمكانية التحرك تجاه دولة متماسكة ولكنها ستكون مجزأة وعرضة لمزيد من الانهيار السياسي والاجتماعي.وإذا كان هذا الرئيس هو السيناتور أوباما فسيكون واقعا تحت ضغوط من قاعدته لسحب القوات على وجه السرعة ولكن إذا أظهر القادة العراقيون إشارات أنهم بدأوا في تعزيز المكاسب التي تحققت ربما يعيد النظر في جدول الانسحاب وكذا إذا ما ظهر أن الانسحاب يجري بسرعة أكثر من اللازم ما قد يعرض المكاسب للخطر. ولن يتحمل رئيس ديموقراطي اللائمة سواء كان ذلك بحق أو بدون حق إذا ما عادت الأمور في العراق الى وضعها السيئ السابق. وفي ظل الاتفاق الامني سيجد الرئيس أوباما من الأسهل عليه أن يصوغ سياسة العراق دون أن يحمل قلقا حول المفاوضات كما لن يجد ما يعيقه في وضع خطة خفض أعداد القوات.ومن ثم فتوصيتي للديموقراطيين هو مطالبة البيت الأبيض بالشفافية حول شروط الاتفاق ولكن دون محاربة الاتفاق نفسه. وتحت الضغط الايراني قد يكون العراقيون هم من يعارض الاتفاق وتلك قصة أخرى. والتوصل الى اتفاق وضع القوات في الوقت المناسب سيكون أفضل رهان للديموقراطيين.
التهديد الامريكي
الجديد للعراق..الولايات المتحدة تعامل الاموال العراقية المحتجزة لديها كرهينة
من أجل إبرام الإتفاقية الأمنية |
|
|