سياسة

إدارة أوباما: بغداد ستظل بحاجة إلينا بصرف النظر عن حكومتها المقبلة

أمريكا راقبت التحضيرات لانتخابات العراق بلا حول ولا قوة للتأثير في مجرياتها

 

خلال محاولاتهم لتوقع بعض العواقب السلبية التي يمكن أن تسفر عنها انتخابات الأحد في العراق خلال الأسابيع القليلة الماضية، أدرك مسؤولو الإدارة الأميركية أنهم لا حول ولا قوة لهم للتأثير في مجريات العملية. وخلال الاجتماعات اليومية التي سبقت اقتراع الاحد وفي لقاء عبر الفيديو الخميس الماضي مع السفير الأميركي في بغداد والقائد الميداني للجيش الأميركي، توقع المسؤولون بعض أعمال العنف والاعتداءات والتزوير بصورة محدودة أو أن تؤثر على شرعية التصويت، إضافة إلى إمكانية أن تؤدي الصراعات السياسية التي ستلي الانتخابات إلى تعطيل تشكيل الحكومة لشهور وهو ما قد يؤدي إلى فراغ خطر تكون معه إيران قادرة على إيقاع الفوضى أو ربما أسوأ من ذلك. بيد أنه رغم هذا القلق والترقب أدرك المسؤولون في واشنطن أن المنافسة الانتخابية ونتائجها في أيدي العراقيين، فبعد سبعة أعوام من الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق تبدي الإدارة قناعة بدورها المتغير هناك. والتزامه بخفض القوات الأميركية في العراق البالغ قوامها 100.000 جندي إلى النصف بحلول نهاية صيف العام الحالي، نتيجة لتسارع وتيرة الحرب في أفغانستان، وضع الرئيس باراك أوباما حاجزا أمام التدخل، أو حتى التعبير عن قلق بالغ، بشأن المستقبل.

وقال مستشارون بارزون للرئيس شريطة عدم ذكر أسمائهم إنه خلال جلسة استماع الأسبوع الماضي في البيت الأبيض كرروا أنهم "لا يمكنهم ولن يقولوا للعراقيين كيف يديرون شؤونهم". وقال مسؤول عن العراقيين: "الأمر عائد إليهم. فنحن لا نرى أمرا يمكن أن يثنينا عن المسار الذي انتهجناه لإنهاء المهمة القتالية في (آب)، حتى في وجه العنف الطائفي. يُذكر أن الانتخابات العراقية السابقة التي جرت في (كانون الأول) عام 2005 كانت تحت إشراف الاحتلال الأميركي، وأدت خمسة أشهر من التناحر السياسي والتأخر في تشكيل الحكومة إلى تفجر العنف الطائفي وزيادة عدد القوات الأميركية إلى الحد الذي عارضه حينها السيناتوران باراك أوباما وجو بايدن. بعد ذلك بعامين بدأت إدارة الرئيس جورج بوش مفاوضاتها مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي حول اتفاقات الانسحاب التدريجي للقوات الأميركية وإقامة شراكة ستراتيجية طويلة الأمد. وقد وقعت الاتفاقات الأمنية (التي حددت (تموز) 2009 كموعد نهائي لتحويل الملف الأمني للمناطق الحضرية إلى الجيش العراقي ورحيل جميع القوات الأميركية من العراق بحلول (كانون الأول) 2011) قبيل شهرين من تسلم الرئيس أوباما مهمات منصبه. ومن بين القرارات الرئيسة التي تخص السياسة الخارجية حدد أوباما (آب) من العام الحالي موعدا نهائيا لانسحاب القوات المقاتلة من العراق، مع الإبقاء على 50.000 جندي لمهمات التدريب والأمن الدبلوماسي واختيار فرق مكافحة التمرد مع نظرائهم البريطانيين مدة 16 شهرا. والديمقراطيون والجمهوريون على السواء يهمهم أن يكون عراق اليوم يمثل نجاحا ديمقراطيا غير مسبوق في المنطقة، وقال بايدن نائب الرئيس الشهر الماضي إن العراق سيشهد ظهور حكومة مستقرة تمثيلية. وخلال زياراته الأربع إلى العراق نائبا للرئيس قال بايدن: "التقيت اللاعبين الرئيسين في العملية السياسية في العراق من السنة والشيعة والأكراد والمسيحيين، وتمكنّا من لعب دور العامل المساعد في التحرك من أرض المعركة إلى الميدان السياسي لتسوية الاختلافات. وعلى الرغم من أن بعض المسؤولين الأميركيين ومن بينهم الجنرال راي أوديرنو، القائد العسكري في العراق، عبّروا عن قلقهم بشأن ما سمّوه "الألاعيب الإيرانية القذرة والعنف ذا الدوافع السياسية"، فإن الموقف العام كان "هذا هو العراق". وقال الجنرال ديفيد بترايوس سلف الجنرال أوديرنو في المنصب في مقابلة تليفزيونية الأسبوع الماضي: "من المؤكد أن هناك الكثير من النزاع على السلطة والنفوذ لكن بعضا من ذلك أمر متأصل في العراق. وتبقى تحديات كبيرة ماثلة أمام العراق، إذ لا يُتوقع أن يحقق أي من التكتلات الخمسة الكبرى الأغلبية أو ربما العدد الأكبر من الأصوات. وسيكون تشكيل حكومة مهمة شاقة وستستغرق وقتا طويلا. ويوفر القانون العراقي قائمة طويلة من التحديات أمام فرز الأصوات قبل أن ينعقد البرلمان الجديد لاختيار الرئيس. بعد ذلك يمكن أن يستغرق الأمر شهرا ليحصل تحالف بعينه على عدد كافٍ من المقاعد لتشكيل حكومة يجب أن يقرها البرلمان. وبغض النظر عن إعادة انتخاب رئيس الوزراء نوري المالكي من عدمها فإن حكومته ستحتفظ بالقيادة خلال الفترة الانتقالية وهو الوقت الذي ستنهي فيه الوجود الأميركي في العراق. يُذكر أن السفارة الأميركية في بغداد أضخم السفارات في العالم وتتولى الكثير من المهمات التي يمارسها الجيش ومن بينها تدريب قوات الجيش والشرطة. ويصر مسؤولو الإدارة على أن الولايات المتحدة ستبقى تتمتع بنفوذ كبير داخل الحكومة الجديدة مهما كانت الشخصية التي ستؤلفها. وقال مسؤول بارز في الإدارة في مقابلة معه: "سيواصل العراقيون طلب مساعدتنا في حل الأزمات العالقة ومن بينها الإصلاح الدستوري والنزاعات حول الحدود الداخلية وتوزيع عائدات النفط. وهناك أيضا بعض الأمور التي يطلبونها منا، فالاتفاقات الستراتيجية التي وُقعت في عهد بوش تُلزِم الولايات المتحدة بمساعدة العراق في رفع باقي قيود الأمم المتحدة عن عائداتها النفطية إضافة إلى التعويضات التي تُدفع للكويت نتيجة الغزو الذي قام به صدام حسين. وتشجيع التبادل الأميركي في مجال الاستثمارات والتجارة والتبادل التعليمي. وعلى الرغم من التوقعات بوقوع عنف طائفي وتزايد النفوذ الإيراني تعتمد الإدارة على العراقيين لتفادي هذا المنعطف المدمر للمصلحة الذاتية. وقال مسؤول الإدارة: "إذا ما عاد العراق إلى حالة الفوضى، فلن يكون ذلك في مصلحة العراقيين". وأضاف مشيرا إلى وجود خطط طوارئ لخفض وتيرة الانسحاب: "بالنظر إلى الاستثمار الضخم في إعداد القوات والأموال الهائلة الذي أنفقت خلال السنوات الماضية أعتقد أن البعض سيقول إننا بحاجة إلى القيام بأمر ما للحيلولة دون ذلك. ولا أعتقد أن هناك رغبة كبيرة في العودة إلى السابق.

 

 

 

 

هل أصبح العراق حقـاً دولة ديمقراطية؟

 

هذا المقال هو متابعة لمقالي الذي كتبته في وقت مبكر من الشهر الماضي عن سائقي العراقي المفقود سلام، الذي اختفى في نظام سجون بغداد العام الماضي. كانت "الجريمة" التي أنزلته في غياهب السجون هي كفاحه ضد الطائفية : فقد أرشد جنودا أمريكيين وعراقيين إلى أسرة من المسلحين الشيعة من جيش المهدي. (سلام نفسه مسلمٌ شيعي ولكنه يكره أن يرى أي بريء عراقي وهو يُقتل.) وهذه الأسرة كان لها صلات بالجيش وقوات الأمن العراقية، ومن ثم استطاعت أن تجعل سلام يُعتقل بمجرد أن غادرت القوات الأمريكية منطقته. إن كفاح سلام هو بمثابة المرآة التي يجب أن يرى المرء من خلالها الآفاق المستقبلية للعراق بعد الانتخابات البرلمانية. لقد نجح في الاتصال بي من سجنه الأسبوع الماضي، وكانت قصته قاتمة. في يناير الماضي، بعد أن أمضى سلام عاما كاملا خلف القضبان، وجد أحد القضاة أنه بريء من التهم الملفقة له. ولكن بمجرد أن وطأت قدماه الأرض خارج السجن، اقتربت منه مركبتان من مركبات الجيش العراقي، وتم اختطافه وإرساله إلى سجن آخر. وتم تلفيق المزيد من التهم له بواسطة نفس الأسرة التابعة لجيش المهدي. ويعتقد سلام أن قاضيا آخر سيبرئه. ولكن إذا كانت القوات الطائفية تستطيع بكل هذه السهولة التلاعب بنظام الأمن، فليس هناك إذن ضمان لأن يتحرر سلام. يجادل المحللون بحرارة حول ما إذا كانت انتخابات الاحد ستثبت أن الديمقراطية تسيطر في العراق. ليس هناك من شك في أن الأمن في وضع أفضل وأن العراق قد نجا من جحيم حرب أهلية شاملة. وفي الشرق الأوسط، يجب الثناء على تحول السلطة عبر صناديق الاقتراع بدلا من تحولها عبر رصاصات البنادق. ولكن هذا وحده لا يصنع ديمقراطية فعالة. فعراق اليوم هو عبارة عن نظام مغانم سياسية تقاتل فيه الأحزاب الطائفية على ثروة النفط ولكنها لا توصل فوائده للناس. كما أن الوزراء يتم اختيارهم على أساس الطائفة الدينية والعرقية بدلا من الكفاءة، والفساد متفش. وأعضاء البرلمان، بعد قضاء الحد الأدنى من مدة الخدمة، يضمن لهم معاشات تقاعدية مربحة. بلا شك هذه هي الآلام الصاعدة في بلد ينهض من عقود من الديكتاتورية والحرب والعقوبات. ولكن النظام الجديد في العراق - الذي يشوهه المقاولون الدوليون الفاسدون، والذي يساء استخدامه من قبل السياسيين الجشعين - قد فشل في إقامة حكومة فعالة.

أين المؤسسات الديمقراطية، أين الضوابط والتوازنات، أين المحاكم؟" هكذا يسأل علي علاوي، الذي عمل وزيرا للمالية ووزيرا للدفاع في وقت مبكر من فترة ما بعد صدام حسين، وأحد أمهر المحللين السياسيين في العراق. "إن السياسة هنا أكثر حرية من أي مكان آخر في الشرق الأوسط، وهنا توجد حرية التعبير. ولكن بالنسبة للمؤسسات الفعالة الضرورية للحياة المدنية الحديثة، فلا أعتقد أن بإمكانك أن تقول إنها أفضل. كما أن الآمال المبكرة في أن الائتلافات السياسية المتنافسة في هذه الانتخابات ستتحرك بعيدا عن الخطوط الطائفية هي أيضا تتلاشى. فمنذ عام مضى، بدا رئيس الوزراء الشيعي، نوري المالكي، مستعدا لتوسيع ائتلافه ليشمل قادة قبائل بارزين من السنة. ولكن المدخلات السنية تقلصت. بل إن المالكي قد سكت وأذعن عندما تم حظر عدد من المرشحين السنة من الترشح على خلفية اتهامهم بأنهم كانوا أعضاء سابقين في حزب البعث. إن الشيعة حقا قلقون بشأن انبعاث حزب البعث، ولكن هذا الدفع باتجاه اجتثاث البعث هو تلاعب سياسي أكثر منه خوفا حقيقيا. وهناك مؤشرات على أن حملة اجتثاث البعث المتجددة قد تمتد إلى طرد المئات من ضباط الجيش العراقي السابق المحترفين لاستبدالهم. ويمكن أن ينهار الجيش -تلك المؤسسة التي كان بمقدورها العمل على تجميع البلاد بدلا من تفريقها- ويصبح أداة يتم استخدامها لمعاقبة من يرفضون دولة طائفية بشكل علني. لو فشل العراق في التغلب على الانقسامات الطائفية، فربما يظل يرزح تحت الفوضى، ولكن الاستقرار سيراوغه. وما لم يتم جسر هذه الانقسامات، فربما يستغرق الأمر شهورا عديدة لكي يستطيع البرلمان تشكيل حكومة بعد الانتخابات. ولو ظلت الانتخابات العراقية مركزة على التقسيم الطائفي للغنائم بدلا من نظام الحكم الجيد، "فإن الديمقراطية البرلمانية ستصبح بلا مصداقية،" كما يقول علاوي. ويضيف علاوي:

 "أيضا سيكون هناك حنين إلى شخصية سلطوية،" ويمكن أن يتحول العراق إلى نموذج شرق أوسطي للحكم الشمولي. هذا هو السبب في أنني أرى مصير سلام على أنه رمز للمستقبل الذي يتجه إليه هذا البلد. لقد تم سجنه لأن الميليشيات الشيعية مازالت تتمتع بالسلطة والعلاقات مع قوات الأمن، بينما يتواطأ معها القادة السياسيون ويظل القضاة لا حول لهم. إذن لنظل نهتف للديمقراطية العراقية، ودعنا نرى إن كان سلام سيتم إطلاق سراحه. وفي اليوم الذي يعود فيه إلى بيته سالما، سأؤمن بأنه مازال هناك أمل في الديمقراطية في العراق.

 

 

 

 

 

ما بعد الانتخابات العراقية

 

مازلت أذكر كيف ظللت أتنقل بين مكتبي في مجلس الأمن القومي، ووحدة "مهمة مراقبة الانتخابات" بوزارة الخارجية الأميركية طول ليلة الثلاثين من يونيو 2005. آنذاك كان العراق يعقد أول انتخابات مهمة منذ عقود، وكان من المقرر أن أقدم إيجازاً للرئيس بوش حول ذلك الوضع خلال ساعات. في النهاية شققت طريقي للمكتبة الكائنة في مقر سكن بوش، وشرحت له كيف أن القلق المبكر الذي كان قد انتابنا عند رؤيتنا للرئيس العراقي في ذلك الوقت "غازي الياور" وهو يدلي بصوته في مركز انتخابي خالٍ على نحو يبعث على الانقباض، قد تحول إلى فرح غامر بعد أن وصلت إلينا معلومات مؤكدة بأن العراقيين يتدفقون بأعداد كبيرة إلى الشوارع وعلى مراكز الانتخابات.هذه الفرحة الغامرة تحولت فيما بعد إلى استياء شديد، عندما طالت المدة التي استغرقها تشكيل الحكومة العراقية عقب ظهور نتيجة الانتخابات، وشابتها العديد من الشكاوى والاحتجاجات المتبادلة بين الأطراف المتنافسة. وفي تلك الانتخابات التي جرت في بداية العام والانتخابات التالية التي جرت قرب نهايته، أخلى الهدوء المؤقت الذي ساد جبهات الصراع بين الأطراف، الطريق لظهور صراعات حادة بين - وداخل - الأحزاب المختلفة حول طبيعة، وتشكيل، الحكومة العراقية. وفي عام 2006 أدى الفراغ السياسي إلى فراغ أمني، فعندما أدت الحكومة القسم الدستوري، واجهت وضعاً أكثر عنفاً وأكثر تقلباً من ذلك الذي كان سائداً من قبل.

لا شك أن العراق الآن يقف على أرضية أكثر صلابة من تلك التي كان يقف عليها عامي 2005 و2006. ولكن من المحتمل هذه المرة أيضًا أن تشهد البلاد بعد انتهاء الانتخابات البرلمانية الحالية التي بدأت الأحد مفاوضات مطولة حول الأحزاب والجبهات التي ستقتسم السلطة في الحكومة القادمة، وهي مفاوضات قد ترهق المؤسسات العراقية الناشئة، وتعقّد خطة تخفيض أعداد القوات الأميركية في البلاد. وعلى الرغم من أن تشكيل الحكومة مسألة عراقية بحتة، فإن للولايات المتحدة مصلحة في الشخصية التي ستكون عليها هذه الحكومة، لأن الأخيرة ستكون في السلطة خلال الفترة التي سيتم فيها سحب القوات الأميركية من العراق بحلول نهاية2011، وهي أيضاً التي ستحدد طبيعة العلاقات الثنائية بين الدولتين خلال السنوات القادمة، كما أن هذه الحكومة بشكل من الأشكال، ستختار الطريق الذي سيسير فيه العراق خلال المواجهة المحتملة بين المجتمع الدولي وبين جارته إيران.هناك أسباب عديدة تدعو للاعتقاد بأن تشكيل الحكومة قد يستغرق وقتا طويلًا: السبب الأول، ينطوي على تطور إيجابي، وهو التغير في طبيعة الأحزاب العراقية: فالأحزاب الشيعية والكردية التي هيمنت في السابق، تشظت وانقسمت على نفسها لتضاهي التشظيات المذهبية والإثنية المستمرة في المجتمع العراقي. وهذا التطور يبشر بإمكانية ظهور عملية سياسية غير طائفية، كما يدل على أن التصويت الذي بدأ الأحد، سوف ينقسم إلى تصويت على عدد من الأحزاب تتلهف جميعها لتقديم رئيس وزراء.السبب الثاني، والأكثر إثارة للقلق هو الخلط المحتمل في القواعد الدستورية التي يتعين على العراقيين استخدامها لتشكيل حكومتهم الجديدة. فهذه الحكومة لن تشتمل على مجلس رئاسي مكون من ثلاثة أشخاص ورئيس وزراء يتم اختيارهم من خلال موافقة ثلثي أعضاء البرلمان، كما نصت على ذلك "الأحكام الانتقالية" التي اشتمل عليها الدستور المؤقت والدستور الدائم ، وإنما سيكون هناك رئيس واحد يتم انتخابه بغالبية الأصوات. من الناحية النظرية قد يجعل ذلك من تشكيل الحكومة القادمة أيسر بكثير من تشكيل الحكومة الأخيرة- وأسرع أيضاً- ولكن الحقيقة الواقعية هي أنه لم يعد هناك إجماع بين الساسة العراقيين على استمرار الحاجة للأحكام الانتقالية المشار إليها.لقد أظهر العراقيون دوماً مقدرة فذة على حل المسائل السياسية المعقدة وخلق التوازنات... وليس لدي شك أننا لو بحثنا في قصاصات الورق الموجودة في جيوب الساسة العراقيين، ودققنا في الملاحظات المدونة على عجل في مفكراتهم، واستمعنا إلى تسجيلات لما يجري بينهم في المجالس التي تعقد في ساعات متأخرة من الليل، فسوف نجد أن هناك حسابات معقدة وغزلا سياسيا، قد جرت ولا زالت تجري على قدم وساق، وأن نتائج الانتخابات ذاتها هي الفصل الأخير من هذه العملية الحافلة بالفرص من المواءمات السياسية.في عامي 2005، و2006 كتبنا عشرات من المذكرات، التي أحطنا بموجبها الرئيس بوش علما بشأن المفاوضات التي كانت تجري علنا وفي الكواليس حول تشكيل الحكومة العراقية آنذاك، والتي حددنا فيها المصالح الأميركية الجوهرية، والخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة للمشاركة، واعتقد أن الفريق الخاص بأوباما يقوم بشيء مماثل الآن.وعلى الرغم من أن العراق قد أصبح دولة كاملة السيادة اليوم، وأن الوضع السياسي والأمني فيه يختلف الآن جذرياً مقارنة بـ2005،، لاتزال واشنطن أمام أسئلة صعبة حول الكيفية التي يجب أن تتصرف بها في المرحلة الحرجة القادمة.نظرا لحساسية التدخل الأميركي، فإن البعض قد يقترح أسلوباً للمقاربة يعتمد على أن ترفع واشنطن يدها عن الأمور، ولكن من يقترحون ذلك لا يدرون أنها مقاربة أصعب بكثير مما قد توحي به للوهلة الأولى علاوة على أننا جربناها بالفعل عام 2005، ووجدنا أن البعض حاول استخدامها كرافعة ضد خصومهم.الوضع نفسه قد يحدث الآن بحيث تتم إساءة تأويل أي ملاحظة أو تعليق من قبل أي مسؤول أميركي واستغلاله في المفاوضات الداخلية.علاوة على الصعوبات التي تحيط باستخدام مقاربة رفع اليد عن الأمور، فإن مصلحة الولايات المتحدة في الحكومة العراقية الجديدة، تتطلب قدرا من المشاركة والانغماس ولكن أي نوع من المشاركة والانغماس؟ وما هي حدوده؟.أولاً: كقاعدة عامة يجب على الولايات المتحدة ألا تحاول تفضيل أي مرشحين عن غيرهم أو حتى تعطيل البعض لحساب البعض الآخر.ثانياً: يجب عليها أن تقرر أين تقف بالضبط في حالة تشكيل حكومة وحدة وطنية.على الرغم من أن الولايات المتحدة لم تعد ذات وضع مركزي في العراق على النحو الذي كانت عليه فيما سبق، فإنها لا تزال صاحبة نفوذ فيه على الأقل من جهة أنها الجهة الوحيدة التي يحترمها الجميع تقريباً حتى وإن كان ذلك على مضض. ولا خلاف على أن أي حكومة عراقية ستحافظ على علاقات طيبة مع واشنطن. فحتى لو لم يبق جندي أميركي واحد في بلاد الرافدين عام 2012 فإن الحكومة العراقية ستكون بحاجة إلى الولايات المتحدة من أجل الحصول على احتياجاتها من المعدات والتدريب، كما أن "اتفاقية الإطار الستراتيجي" بين الدولتين ستثمر حتماً منافع في مجال التعليم والاستثمار والتقنية. ولا اعتقد أن أي رئيس وزراء عراقي قادم سيكون قادرا على التقليل من هذا الأمر.

 

 

 

 

افتتاحية ذي واشنطن بوست

هل ينسحب الأمريكيون وتنتهي لعبة حرب العراق؟

 

بنى الرئيس أوباما أولويات سياسته الخارجية حتى الآن، على تهدئة أتون الحرب في أفغاتستان، وإعادة "ضبط" علاقاته مع روسيا، ووقف البرنامج النووي الإيراني، وإحياء عملية السلام في الشرق الأوسط. غير أن الاختبار الحقيقي للسياسة الخارجية الأميركية في عهده بدأ يوم الأحد، في البلاد التي حرص على إبقائها، إلى حدّ ما، في متناول اليد، وهي العراق، حيث شارك ملايين العراقيين في اختيار 325 عضواً لمقاعد البرلمان من بين أكثر من 6 آلاف مرشح، في ما يمكن اعتباره أكثر الانتخابات التي تجري في منطقة الشرق الأوسط حريةً. وأياً ما كانت النتائج التي رافقتها من عنف أو تزوير، ومهما كانت التطورات السياسية التي سوف تعقبها، فإنها ستحدّد مستقبل العراق ومستقبل علاقة الولايات المتحدة به. أسّس أوباما لحملته الانتخابية على معارضة الحرب التي أشعل نارها سلفُه جورج بوش، وعليه فإن طريقته في التعامل مع العراق على مدى الأشهر الستة المقبلة سوف تحدّد ما إذا كانت ستنتهي إلى نجاح- أي بانسحاب قواته من ديمقراطية مستقرة تكون حليفة للولايات المتحدة- أم إنها ستؤدي إلى انتصار المصالح الإيرانية، أو إلى حرب أهلية تُزعزع الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط بكاملها. إنه لَموقف سياسي خادع يجد الرئيس نفسه فيه، وإن الخروج منه سوف يقتضي من الرئيس أوباما التخلص من بعض التصوّرات حيال العراق، وقد أثرت سلباً على سياسته تجاهه حتى الآن. وعدَ الرئيس تكراراً بنهاية "مسؤولة" للحرب في العراق في معظم الخطابات التي ألقاها في هذا الصدد، كما مدّد لفترة 16 شهراً جدول سحب القوات المقاتلة الذي كان قد حدده أثناء حملته الانتخابية، وابتعث نائب الرئيس جو بايدن في مهمة المساعدة في إقناع العراقيين بالتوجه إلى صناديق الاقتراع. بَيْدَ أن الرئيس أوباما ركّز دائما، وفي خطاباته كافة، على الانسحاب الأميركي من العراق أكثر من تركيزه على تعزيز صرح ديمقراطية حقيقية فيه، مع العلم بأن هذا الأخير أكثر أهميةً بالنسبة إلى المصالح الأميركية على المدى الطويل، ذلك أن العراق يتحكم بالخطوط الخلفية للعبة الطائفية والسياسية في الشرق الأوسط، وأن من الأهمية بمكان احتواء الإسلام المتطرف، وأن إنتاجه من النفط قد يتساوى خلال عقد من الزمن مع إنتاج المملكة العربية السعودية. تسعى سياسة أوباما خلال الأشهر الستة المقبلة إلى تقليص أعداد القوات الأميركية من 98 ألفاً إلى 50 ألفاً، بما في ذلك إزالة جميع الوحدات المقاتلة. وخلال الفترة ذاتها سيقوم العراقيون بالعمل على بلورة حكومتهم الجديدة، حيث يُتوقع أن تنبثق من الانتخابات نحو نصف دزينة من الائتلافات التي تتمتع بحصص كبيرة من الأصوات، علماً أن تشكيل حكومة يتطلب ائتلافين أو ثلاثة على الأقل. وسوف تسعى إيران بالتعاون مع حلفائها العراقيين إلى تشكيل ائتلاف ذي أغلبية شيعية يكون مرتبطاً بطهران. لكن ثمة تباينا شديدا في السيناريوهات المتوقعة؛ إذ يبدو أن هناك تحالفين، تحالف علماني وآخر قومي، يتمتعان بالقدر الأكبر من الدعم. الخطر يكمن في أن تؤدي الخلافات حول فرز الأصوات أو المساومات المطوَّلة لتشكيل الحكومة الجديدة إلى فتح المجال لتجدد العنف بين الميليشيات الشيعية والسنية والكردية. وحتى لو لم تصل الأمور إلى تلك النتيجة، فإن الحكومة الجديدة سترث مشكلات معرضة للانفجار في أي لحظة، مثل ترسيم حدود إقليم كردستان المستقل في الشمال. لذلك يجب أن تكون مسألة ضمان عدم عودة العراق إلى مستنقع الدم على رأس أولويات أوباما. وفي حال رأى القادة العسكريون الأميركيون أن ذلك يحتم عليهم الإبقاء على بعض الوحدات المحاربة في العراق بعد الأول من (أيلول)، فإن الرئيس يتعين عليه تقديم الدعم لهم. ستكون لدى العراقيين حساسية شديدة تجاه التدخل الأميركي المحتمل في المساومات التي ستعقب الانتخابات. لكن يتعين على الولايات المتحدة استخدام النفوذ الذي تتمتع به من أجل تشكيل حكومة غير طائفية. والأهم من ذلك هو أن تبادر أميركا على الفور إلى إقامة علاقات قوية مع تلك الإدارة الجديدة، وذلك باستخدام إطار التعاون الستراتيجي المبرم مسبقاً بين الولايات المتحدة والعراق. مؤخراً قال الجنرال راي أودييرنو: "الفرصة التي لدينا في العراق اليوم قد لا تتكرر مرة أخرى خلال حياتنا... من أجل تطوير عراق ديمقراطي يتمتع بشراكة طويلة الأجل مع الولايات المتحدة". يجب أن يشكل انتهاز تلك الفرصة أولوية بالنسبة إلى أوباما.

 

 

 

 

 

نيويورك تايمز:انتخابات العراق ستزيد من انقسام البلاد

 

حذرت صحيفة نيويورك تايمز من فشل الانتخابات البرلمانية المقبلة فى العراق، وقالت إن الانتخابات غالبا ما تزيد من الانقسامات التي تهدد العراق بدلا من جسر الاختلافات بين الأطياف المتنازعة، وبدأ العراقيون يتساءلون عما إذا كانت ستتمكن دولتهم المقسمة والضعيفة والفاسدة، في الوقت الذي تعتزم فيه الولايات المتحدة الأمريكية سحب قواتها، من تحقيق نتائج إيجابية في الانتخابات خاصة وأن الدولة لا تزال تعاني أهوال الحرب، ومن إرث حكم صدام حسين.وذكرت الصحيفة أنه لا يزال عدد من التساؤلات بلا إجابة، حول شرعية القانون والدولة والمواطنة، الأمر الذي يمثل ربما أكثر لحظة حاسمة في تاريخ العراق منذ الإطاحة بنظام الرئيس العراقي السابق، صدام حسين عام 2003.

وأضافت أن العراق شهد فى ظل السيطرة الأمريكية انفراجة سياسية لم يشهد العالم العربي مثلها.قالت صحيفة "نيويورك تايمز" إن الانتخابات التشريعية العراقية التي جرت يوم  الأحد الماضي والتي ربما تكون الأخيرة قبل انسحاب القوات الأمريكية قد تكون فرصة للسياسيين العراقيين الذين يناضلون لجمع ائتلاف يحكم البلاد.

وشككت الصحيفة في أن الطائفية مازالت تلقى بظلالها على نتائج الانتخابات في العراق، معربة عن الأمل فى تغليب مفهوم الدولة على الطائفة.وأوضحت الصحيفة أن رئيس الوزراء العراقي الأسبق إياد علاوي وزعيم القائمة العراقية يتصدر قائمة المنافسين بما فيهم رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي، مشيرة إلى أن علاوي - الزعيم الشيعي العلماني - أمامه فرصة قوية للفوز بمعظم أصوات السنة في الانتخابات بوصفه القائد الذي يحظى بتأييد كبير بين أوساط السنة.ولفتت الصحيفة إلى أن قائمة علاوي الذي كان ينتمى ذات يوم إلى حزب البعث ثم انشق ونجا من محاولة اغتيال أمر بها الرئيس السابق صدام حسين مثلت تحديا قويا في الانتخابات للأحزاب الشيعية الدينية المشاركة في الائتلاف الحاكم ومن بينها حزب الدعوة الذي ينتمى إليه المالكي.ففي استعراضه لأجندته الوطنية الذي يحدوه الأمل في أن توحد بين مختلف الطوائف والقبائل في البلاد، قال علاوي "لا يوجد فارق بين كردي وعربي وتركماني، كما لا يوجد فارق بين مسلم وغير مسلم وليس هناك أيضا فارق بين سني أو شيعي.وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية أنه تراجع العنف الطائفي بشكل أساسي مقارنة بأعوام قلائل مضت، إلا أن وتيرته قد ارتفعت في الفترة التي سبقت الانتخابات، مشيرة إلى انفجار 3 سيارات ملغمة في بعقوبة عاصمة محافظة ديالى شمال بغداد مما أدى إلى مقتل 33 شخصا وذلك في الوقت كانت مسيرة رئيس الوزراء العراقي الأسبق إياد علاوي جارية قبل أيام.