سياسة

في السياسة وما حولها

نعمان ماهر الكنعاني رحيل الشاعر الانسان

 

عبد الأمير المجر

كاتب عراقي

 

بعد عمر طويل، بدأ مع ارهاصات الدولة العراقية الحديثة، رحل الشاعر والسياسي والضابط الوطني نعمان ماهر الكنعاني، تاركا خلفه سجلاً حافلا بالمواقف الوطنية المشرفة، فهو المحارب الذي نذر حياته لقضايا وطنه ولقضية فلسطين ومنذ العام(1948) عندما خاض غمارها ضابطاً شاباً مع الجيش العراقي الباسل، اضافة الى كونه احد الضباط الاحرار الذين فجروا ثورة(14) تموز(1958)، وقد عرف عنه مواقفه القومية وكفاءته عند تسلمه المسؤوليات في الدولة.

الكنعاني قبل هذا وذاك كان شاعراً يكتب قصيدة العمود، فضلاً عن اهتماماته الثقافية الأخرى، لاسيما ما يشغل راهننا الملتهب باستمرار، وكيف لا، وهو الذي أفنى عمره في قلب المشهد السياسي العراقي الساخن، فهو المعارض (السري) في العهد الملكي، بحكم كونه عسكرياً والمعارض السياسي (شبه السري) في العهد الأول للجمهورية بسبب اختلافه مع المسؤولين عن ادارة البلاد في عهد قاسم الذي لم يكن على وئام مع القوميين بشكل عام، كما هو معروف وقد ظل حتى آخر يوم في حياته وفياً لمبادئه الوطنية التي آمن بها، وعكس ذلك في شعره الذي قرأنا بعضاً منه ولعلي في معرض تغطيتي لندوة كان يتحدث فيها عن الشعر قلت فيه شيئاً استحسنه وعندما التقيته مصادفة في مبنى وزارة الثقافة والاعلام أواخر التسعينيات وعرفني احتفى بي حتى أخجلني، فأكبرت فيه تواضعه الرائع، ودماثة خلقه التي جعلتني اتواصل معه ولو بشكل متباعد، بعد ان أحببت روحه وتاريخه الوطني فضلاً عن شعره.

لقد تملكني هاجس ان اسأل عنه في الآونة الأخيرة بعد ان انقطعت اخباره عن الوسط الثقافي، بسبب الظروف المعروفة وكم كنت اتمنى ان اعرف ما حل به بعد الطوفان الرهيب الذي اجتاح البلاد بعد الاحتلال، الا ان الاقدار أبت الا ان يكون الخبر الذي اسمعه عنه، هو رحيله الذي ترك غصة في نفوس من يعرفون هذا الرجل الوطني والشاعر والعسكري الذي كان بمستوى شرف العسكرية العراقية ومن يعتنقها عقيدة للدفاع عن الوطن وقضايا الأمة التي لم يبخل عليها حين كان في الميدان، ومنذ الاربعينيات كما ذكرنا.

فالى روح الشاعر والمناضل والانسان نعمان ماهر الكنعاني، الرحمة ونسأل الله ان يدخله فسيح جناته.

 

 

 

 

توني جادت بدأ حياته صهيونياً وانتهى (كارهاً نفسه)

 

عملية السلام في الشرق الأوسط انتهت . إنها لم تمت، بل تعرضت إلى القتل" هذا ما كتبه المؤرخ البريطاني/الأمريكي البارز توني جادت Tony Judt خلال رئاسة جورج بوش في تشرين الأول/ أكتوبر 2003 . كان تقييم جادت، حامل جائزة جورج أورويل الشهيرة، في محله عندها، ولا يزال هذا التقييم صائباً حتى اليوم رغم الفارق الكبير بين جورج بوش وباراك اوباما وما يمثله الاثنان في السياسة الأمريكية والدولية . ما يلفت النظر في هذا التقييم ليس صوابه وصواب التوقعات التي يمكن أن تبنى عليه بمقدار ما يلفت النظر شخص توني الذي غادر الحياة قبل أيام قليلة وما تحمله سيرته من دلالات. لقد بدأ جادت حياته صهيونياً متحمساً، ثم تحول إلى "كاره نفسه" و"معاد للسامية" كما دأب الإعلام الصهيوني على وصفه قبل أن يغادر الحياة منذ أيام قليلة . ولد جادت في لندن عام 1948 أي في العام الذي أعلن فيه قيام الكيان الصهيوني . وعائلته كانت ناشطة سياسياً ومنتمية إلى "البوند"، وهي منظمة يهودية كانت تعتقد، خلافاً للصهاينة، أنه "بإمكان اليهود حل مشكلاتهم حيث يقيمون، وليس بالضرورة من خلال إقامة دولة قومية في فلسطين" . إلا أن قيام "إسرائيل" حوّل المشروع الصهيوني، في أذهان اليهود، إلى حقيقة قابلة للحياة، ومن هنا تحولت عائلة جادت إلى تأييد هذا المشروع . وهكذا عندما بلغ جادت الخامسة عشرة من عمره شجعه أهله على الالتحاق بالأنشطة الصهيونية فكان من بينها قضاء فترة متطوعاً في الكيتبوتز بلغ الحماس بتوني جادت أنه تطوع لعمل في "إسرائيل" عندما لاحت احتمالات حرب عام 1967 بين العرب و"الإسرائيليين وخلال الحرب أحيل جادت للعمل لفترة قصيرة في أحد الكيبوتزات، ثم نقل من بعدها للعمل في مؤسسات تابعة للقوات المسلحة "الإسرائيلية" . وأتيح له بفضل هذا النمط الأخير من الأعمال أن يتنقل بين شتى المناطق المحتلة في فلسطين والجولان، وأن يعمل في مجالات متنوعة، وأن يتعرف إلى نماذج متعددة من "الإسرائيليين"، وأن يقترب بصورة أدق من المجتمع الذي استولدته الحركة الصهيونية على أرض فلسطين كان من المفروض، كما كان الأمر في التنهيج والآمال الصهيونية، أن يشعر هؤلاء المتطوعون، وقد شاركوا في الدفاع عن الكيان الصهيوني، بأنهم هم جزء من هذا الكيان وأن يتوطد التزامهم بالصهيونية، وأن يستقروا في "إسرائيل"، أو أن يتحولوا إلى دعاة متحمسين للصهيونية إذا آثروا العودة إلى البلاد التي جاؤوا منها . هذا ما حدث مع أغلبية الذين أموا "إسرائيل" كمتطوعين خلال حرب ،67 أما توني جادت فكانت هذه التجربة نقطة التحول في حياته وبداية ابتعاده عن الصهيونية يقول المؤرخ عن هذه التجربة إنه ذهب إلى "إسرائيل" وفي خاطره "فانتازيا مثالية" حول بناء مجتمع الاشتراكية والمساواة، ولكن الحقائق التي تكشفت له في الأراضي المحتلة أسقطت من مخيلته هذه الخواطر والآمال، إذ وجد أن الصهاينة سواء من اليمينيين أو من اليساريين كانوا متساويين في جهلهم وتجاهلهم لمأساة الشعب الذي طردوه من أرضه، وحولوه إلى مجرد لاجئين نزيلي المخيمات البائسة . وخلال تجواله في الجولان كدليل سياحي ل "الإسرائيليين" وللسياح الأجانب، كانت نفس جادت تمتلئ بالسخط على "الإسرائيليين" الذين كانوا يخصون العرب بكلمات التحقير والذين كانوا لا يكفون عن التعبير عن مشاعر العداء ونوايا العدوان ضد العرب ما كشفته تجربة جادت في "إسرائيل" أضيفت إليه اكتشافاته في الولايات المتحدة التي انتقل إليها بعد فترة قضاها أستاذاً في جامعة أوكسفورد في بريطانيا . ولعله كان من الطبيعي بعد أن عين جادت في جامعة نيويورك وبعد أن استقر في كبرى عواصم النشاط الصهيوني في العالم، أن يتجاوز تجربته "الإسرائيلية" فيستعيد ثقته بالحركة الصهيونية ويجدد نشاطه فيها . إلا أن جادت الذي جذرت التجارب التزامه بالمبادئ الإنسانية، والذي اطلع على تجربة الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة ازداد ابتعاداً ونقداً لهذه الحركة، وأكثر وضوحاً في مناهضته لسياسة "إسرائيل”.

سار جادت على هذا الطريق في الولايات المتحدة إلى درجة أنه بات هدفاً من أهداف الحملات المستمرة التي دأبت على شنها ضده المنظمات الصهيونية الأمريكية . فرداً على وصفه إسرائيل ب "المفارقة الزمنية" التي لم يعد لها مسوغ في التاريخ، وعلى الانتقادات الشديدة لتصرفات حكوماتها، لاحقته رسائل الصهاينة الأمريكيين تطالب الجامعات الأمريكية بفصله من العمل . ورداً على تحميله المنظمات الصهيونية الأمريكية مسؤولية تحويل العداء للسامية من اتهام ذي مضمون عنصري خطير، إلى تهمة جوفاء فاقدة للمصداقية، سعت هذه المنظمات إلى إقناع دور النشر والإعلام بمقاطعته ووصلت المجابهة بين الأكاديمي اليهودي والمنظمات الصهيونية وحلفائها الأمريكيين إلى ذروتها إبان حرب العراق التي عارضها جادت بقوة، وأدى الصهاينة دوراً أساسياً في إطلاقها . وإبان الحرب، حاول ناشطو هذه المنظمات تصيد جادت عبر الطعن في ولائه للولايات المتحدة، الأمر الذي عمق الهوة بينه وبين الصهاينة وزاد في غربته وابتعاده عن تفكيرهم ومشاريعهم . وعندما بدأت تتكشف خفايا الحرب وحوافزها ونتائجها الكارثية، وعندما بدأ الصهاينة من المحافظين الجدد في نفض يدهم منها، كان لهم جادت بالمرصاد إذ شبههم باليساريين والليبراليين في الغرب الذين أيدوا ستالين عندما كان في مركز القوة، حتى إذا زال من الوجود وقام خروشوف ينتقده، سارع هؤلاء إلى التبرؤ من مواقفهم السابقة، كما فعل المحافظون الجدد الذين أيدوا بوش وأيدوا الحرب، ثم أعلنوا براءتهم منها كي لا ينكشف الدور السلبي الذي مارسوه خلال هذا الفصل الدرامي من تاريخ الولايات المتحدةلم يكن توني جادت وحيداً في تحوله وابتعاده عن الصهيونية، فهناك أمثلة كثيرة من هذا النوع . وربما لم يتوصل هؤلاء إلى الاعتقاد بأنه آن الأوان لدفن هذا المشروع وللتفتيش عن حل حقيقي للمسألة اليهودية يقوم على تحرير اليهود من الغيتوات، وأهمها الغيتو الذي أقامته الحركة الصهيونية على أرض فلسطين كما وصفه ايدوين مونتيغيو، الوزير البريطاني اليهودي الذي عارض وعد بلفور . إلا أن حياة توني جادت وتجربته تدلان على أن الحقائق لها من القوة ما يمكنها، في نهاية المطاف، أن تفرض نفسها على المكابرين.

 

 

 

 

 

الوثيقة الكردية و(خيار الدولتين) في العراق

 

هل هي المصادفة وحدها التي كانت وراء تزامن إعلان التحالف الكردستاني العراقي وثيقة الـ 19 شرطاً لتشكيل الحكومة العراقية المنتظرة مع إعلان منظمة "الدفاع عن حقوق الشعوب المضطهدة" استعداداتها لعقد مؤتمر دولي واسع حول أوضاع الأقليات والأديان في العراق وعلى الأخص في إقليم كردستان العراق، وهو المؤتمر المقرر انعقاده يوم 20 سبتمبر/أيلول المقبل؟ربما يكون الأمر محض مصادفة، ولكن التدقيق في الشروط أو المطالب الكردية التي جرى الإعلان عنها وتوصيلها إلى الكتل الانتخابية الكبرى الثلاث المشاركة في حوارات ومفاوضات تشكيل الحكومة العراقية المتعثر تشكيلها ومتابعة خلفيات وأهداف هذا المؤتمر يكشفان عن وجود قدر كبير من التناغم في المعاني والأهداف، لكن الأهم أنه يلقي الضوء على ما يريده الأكراد من كل هذه المطالب والشروط في وقت شديد الحساسية بالنسبة للعراق وبالذات ما يتعلق بالتداعيات المحتملة للانسحاب العسكري الأمريكي في ظل تدهور مخيف في الأوضاع الأمنية وإعلان القيادات العسكرية العراقية عجز الجيش العراقي عن القيام بمهمة حفظ الأمن والاستقرار من الآن وحتى عام ،2020 وما يتعلق بالصعوبات الداخلية والإقليمية والدولية التي تحول دون تشكيل الحكومة العراقية، وتنازع أطراف كثيرة حول هذه الحكومة إن الإطار الذي عرض فيه التحالف الكردستاني شروطه التي حاول التخفيف منها، بعدما ووجه بمعارضات ورفض يشترط لتأييد مرشح الكتلة النيابية أن يحقق مطالبهم وفي مقدمتها أن تكون المشاركة الكردية في الحكومة المقبلة هي المعيار لاستمرار هذه الحكومة، وأن يكون للأكراد حق البت في مرشحي الوزارات السيادية والوزارات الأخرى ذات الصلة بإقليم كردستان، وشرط تأييد مرشحهم لرئاسة الجمهورية، ما يعني أن منصب رئاسة الدولة يجب أن يكون حقاً كردياً، وأن يكون منصب الأمين العام لمجلس الوزراء هو الآخر حقاً كردياً، إضافة إلى مطالب أخرى منها "إعادة النظر بهياكل كل القوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي، وإقرار مبدأ التوازن، وتطبيقه في كل مؤسسات الدولة من وزارات وهيئات مستقلة"، وأن يتم "تمويل وتجهيز وتسليح حرس الإقليم الكردستاني "البشمركة" من منظومة الدفاع الوطني العراقية، أي أن يكون تمويلها من ميزانية القوات المسلحة وليس من ميزانية إقليم كردستان البالغة 17% من الميزانية العامة للدولةهذه المطالب التي طرحت كشرط من الأكراد لدعم مرشح من دون غيره لمنصب رئاسة الحكومة، تكشف أن القضية الأساسية للتحالف الكردستاني هي "الغنائم" التي يجب الحصول عليها كشرط لتأليف الحكومة، غنائم لإقليم كردستان وليس للعراق كله، ضمن توجه حريص للمحافظة على ما فرضه الاحتلال من محاصصة طائفية وما يسمى بـ "مكونات العراق" وكل ما استطاع الأكراد أن يفرضوه في الدستور العراقي الذي أعدته سلطات الاحتلال وفرضته على العراق، ويرفض الأكراد أي إخلال أو تراجع عن أي نص في هذا الدستور الذي يعطي لهم حقوقاً تجعلهم الورقة الرابحة في معادلة الحفاظ على ما يسمى ب "الوضع القائم" أو العملية السياسية التي هي الوجه الآخر للاحتلال الوثيقة الكردية وما احتوته من شروط أو مطالب تضع نصب عينيها التجربة السودانية المريرة والحقوق التي استطاع إقليم جنوب السودان الحصول عليها من أجل الحفاظ على وحدة الدولة السودانية بدعم أمريكي، وهي الحقوق التي قادت السودان في نهاية الأمر إلى خيار الدولتين . هذه التجربة أثارت في يوم من الأيام انبهار هوشيار زيباري وزير الخارجية العراقي في إحدى زياراته للسودان، حيث رأى أن حكومة الجنوب تشارك بقوة في شؤون الحكم بالشمال السوداني أي في الحكومة المركزية سواء من ناحية الحصول على منصب رئيس الدولة أو المحاصصة المميزة في الوزارات والميزانية، وفي الوقت نفسه تحظى بتفرد كامل في حكم جنوب السودان من دون أي تدخل أو وجود للحكومة المركزية في الخرطوم انبهار زيباري بمكاسب الجنوبيين في السودان يكاد يتحول إلى واقع الآن في ظل محتوى شروط "الوثيقة الكردية" التي تحاول ابتزاز شركاء العملية السياسية من كتل انتخابية شيعية وسنية للحصول على المزيد من المكاسب التي تخدم مع تراكمها، خيار المستقبل بفرض الدولة الكردية كخيار "أمر واقع"، أو وضع هذه الكتل الانتخابية أمام مأزق تشكيل الحكومة في التداعيات المحتملة للفراغ الأمني والسياسي الذي سينشأ عن الانسحاب العسكري الأمريكي وهي التداعيات التي قد تعجل بفرض "خيار الدولتين" كأمر واقع عراقي، وفي كلتا الحالتين، فإن العراق هو من سيدفع أثمان هذا الموقف الكردي.

 

 

 

 

دور مجلس الامن القومي الامريكي في عملية صنع القرار الخارجي

 

ياسر عبد الحسين

كاتب عراقي

 

امام الملفات الامنية  المتعددة التي تراها الولايات المتحدة انها تهدد سلامتها مثل  ... افغانستان والعراق و ايران  يقف  مفهوم الأمن القومي ليصبح المفهوم الاوسع الذي ترتكز على اتجاهات سياسة الولايات المتحدة الخارجية معتمداً على التحولات العالمية الجارية، فقد سعت الولايات المتحدة إلى إيجاد خطط واستراتيجيات جديدة لدور الولايات المتحدة، فضلاً عن التحديات التي يواجهها الأمن القومي الأمريكي، ووضع صيغ وحل للنزاعات الدولية والإقليمية، من أجل تحديد الخطط والبرامج ذات الطابع الاستراتيجي في مجالات الدفاع والسياسة الخارجية، وكذلك الأدوار الاقتصادية الأمريكية، في العالم، وصياغة الخطوط العامة للقرارات ذات الطابع الاستراتيجي، والعسكري، والاقتصادي، والسياسي، فقد تولى (مجلس الأمن القومي) تجسيد هذه المفاهيم في صيغة خطط استراتيجية، منذ تأسيسه في عهد الرئيس الامريكي هاري ترومان عام 1947 وعمل عبر برامج ذات المدى البعيد والقريب، وسعت كل الإدارات الأمريكية إلى تطوير هذا الجهاز المهم منذ تأسيسه بعد الحرب العالمية الثانية عن طريق إعادة بناء هياكل وأجهزة الدولة المعنية بالشئون العسكرية والسياسة الخارجية بما يتلائم مع المتغيرات الدولية، فقد توسع نفوذ مجلس الأمن لاقومي بعد انتهاء الحرب الباردة، فقد رفعت القيود الاساسية عن عملياتها، وتقلصت على اقل تقدير، ففي الـ 45 سنة الاولى من تأسيسه كان كل قرار يتخذه المجلس تقريباً خاضعاً لتأثير حسابات ردة فعل الاتحاد السوفيتي، اما بعد الحرب، الباردة فإنّ الولايات المتحدة كقوة احادية لا تثقلها اعباء، مثل: هذه الحسابات، فصناع القرار لم يعودوا قلقين من عواقب افعالهم، بل تطورت في ظل احداث الحادي عشر من ايلول ، ومهما كانت النظرة للنظام الأمريكي، فإنّه يتطلب من الرئيس خبرة في الشئون الخارجية، ولكن بوش قليل الإهتمام بالشئون الخارجية وفي هذا المناخ السياسي برزت كوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي، ومع هذا المركز الحيوي الذي احتلته رايس الذي يعد اقرب إلى الرئيس الأمريكي من اسلافها الستة عشر الذين تقلدوا هذا المنصب، فقد خصصت رايس نفسها لملء مركزها، حيث كانت تقضي على (وفق تقديرها) ما بين ست إلى سبع ساعات يومياً إلى جانب الرئيس، وهي ايضا فرد غير رسمي من عائلة بوش، حيث افردت لها حجرة خاصة في كامب ديفيد تحل فيها ضيفة دائمة على اسرة بوش، الامر اختلف مع  ادارة الرئيس الأمريكي باراك اوباما الذي ينوي  إجراء إصلاحات شاملة ومتعددة لأجهزة الأمن القومي، ومنها: مجلس الأمن القومي عبر توسيع دائرته وعضويته، وزيادة سلطاته لوضع استراتيجيات لعدد كبير من القضايا الدولية والداخلية.ومن ثمّ سوف يكون هناك مجلس أمن قومي (مختلف كلياً) عن ذلك الذي شكله الرئيس بوش، أو أي من سابقيه منذ أن تم إنشاؤه بعد أعقاب الحرب العالمية الثانية لتقديم المشورة بشأن القضايا الدبلوماسية والعسكرية حسب ما صرح به جيمس جونز مستشار الأمن القومي في الإدارة الجديدة، مؤكداً إنّ العالم يتغير بصورة دراماتيكية لدرجة إن المؤسسات التي أنشأت لم تعدّ تعنى إلى حد بعيد بالأغراض التي أوكلت لها، وان اختيار باراك اوباما لشخصية (جيمس جونز) يُعدّ توافقاً مع رؤيته للسياسة الخارجية، واتفقا على تكوين ما أسموه بـ(مجلس الأمن القومي للقرن الحادي والعشرين).ولعل هذا ما تبناه الرئيس باراك اوباما في اختياره الجنرال جيمس جونز الذي قال عنه اوباما سيأتي إلى مهمته بخبرة مزدوجة من الخدمة في الجندية وكدبلوماسي، على اعتبار إن جونز هو أول عسكري يتولى هذا المنصب منذ العام 1987، ولعل الهدف من هذا التعيين رغبة اوباما في أن يساعده جونز على كسب ثقة المؤسسة العسكرية، وإعادة تحديثها، فضلاً عن خبرة جونز في مجالات التعاون الأطلسي والعسكري، وقبوله لدى الأوربيين، مما قد يساعد على تعزيز التعاون بين ضفتي الأطلسي مرة أخرى، والتعاون الذي قد يبديه اوباما مع مستشاره للأمن القومي، لا سيما على صعيد السياسة الخارجية، والاستفادة من خبرة جونز لتعويض نقص خبرته في القضايا الدولية.

وربما تكون الصورة الأولية لإدارة اوباما قبالة الشخصيات الفاعلة في الإدارة، مثل: هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية، وروبرت غيتس، وزير الدفاع - مزدحمة على قمة عمل المجلس، ومليئة بالمسؤولين العسكريين، ومن بينهم مستشار الأمن القومي جيمس جونز، والأدميرال البحري المتقاعد دنيس بلير مدير الاستخبارات الوطنية، وكذلك المبعوث الخاص لمناطق الصراع ريتشارد هولبروك الدبلوماسي السابق، والمبعوث إلى أفغانستان وباكستان - قد اعطو سلطات رئاسية موسعة، وهنا التحدي الأبرز في عدم تدخل الصلاحيات كما انه لا بد من أن تصبح هناك شخصية منسقة داخل الإدارة تعمل على ترتيب الأوراق، ويمكن أن يكون ذلك من نصيب جوزيف بايدن نائب الرئيس دون أن يتحول إلى (مجلس امن قومي) كشخصية ديك تشيني. ولكن هل يمكن أن تترك شخصية جونز العسكرية، فضلاً عن الشخصيات العسكرية، داخل الإدارة تأثيرها في سلوك المجلس، وهذا أمر سيكون مثار الجدل داخل الإدارة، لأن جونز أكد على ان الرئيس اوباما بارعاً في إخفاء قوانين شبه عسكرية داخل مجلس الأمن القومي، وانه قبل أن يكون مستشاراً قال خضت لقاء مع الرئيس حول وجه نظري بشأن مجلس الأمن القومي. وقد كان الرئيس لديه رؤية واضحة تجاه عمل المجلس، وانه (جونز) قد ترأس الجلسات بنفسه ، وكما ان طريقة العمل داخل المجلس ستكون على حالها كبقية المجالس عبر آلية اللجان، لكن عمل هذه اللجان يختلف حسب طبيعة المواضيع، ويبدو انه تم التركيز في مراجعة الاستراتيجية الأمريكية تجاه أفغانستان وحدد جونز عدداً من المواضيع التي يراها إنما تشكل تحدياً لإدارة الرئيس باراك اوباما، والتي تواجهه مصالح الأمن القومي الأمريكي، وأهمها:الإرهاب: يؤكد جونز ربما تكون المشكلة الأكبر التي تواجهها الإدارة، ومجلس الأمن القومي هي مشكلة أفغانستان وباكستان، حيث يشبه مسؤولو الأمن القومي التدهور في أفغانستان: بأنها تمثل الحرب الحقيقية على السلام في العالم، مع ضرورة أن يتخذ الجيش الباكستاني خطوات حاسمة ضد طالبان وتنظيم القاعدة هناك.

فضلاً عن ان جيمس جونز قد ترأس بنفسه لجنة دراسة أوضاع قوات الأمن العراقية، إذ أشارت اللجنة في تقريرها الذي نشر إلى الفساد المنتشر بين صفوف القوات الأمنية العراقية، وأوصت بتسريح 25 ألف جندي كانوا يشكلون قوة الشرطة، وضرب التقرير من الإدارة السابقة، التي قالت: انها دربت تلك القوات جيداً، فضلاً عن مشاركته في إعداد تقرير عن السلوك الأمريكي في أفغانستان، وعن موقف مجلس الأمن القومي في العراق مع التحديات الأخرى التي تواجه الإدارة قال جونز (ان الاستمرارية) شيء جيد، ولدينا الآن رئيس جديد، ونخوض حربين، وتحديات اقتصادية هي الأكبر في نوعها منذ حقبة الفساد الكبيـر (ثلاثينيات القـرن الماضي، وهنـاك أمـور مهولة ) ،  وعلى اعتبار ان جونز قد عمل مستشار لكبريات شركات الطاقة العالمية. لكن التحدي الجديد الذي بدأ جيمس جونز الحديث عنه جيمس جونز هو: موضوع (الحرب الالكترونية)، إذ باتت قضية الأمن الالكتروني، وحرب المعلومات يشكلان هاجساً متزايداً لدى دوائر صنع القرار الأمريكي عامة، والأمن القومي الأمريكي خاصة بعد ان تعرضت مصالح وهيئات حكومية الكترونية لخروقات ومحاولات للسيطرة، وأخرى للعبث، وتلك العمليات كان آخرها في العشرين من حزيران من العام 2009، من مجهولين للسيطرة على شبكة المعلومات داخل البيت الأبيض، لكن البداية الأكثر عنفاً كانت مع تعرض موقع وزارة الأمن القومي، والدفاع، والخارجية، والتجارة، فضلاً عن وكالة (ناسا)، وجامعة الدفاع الوطني إلى الاختراق في العام 2007.وكذلك اختراق البريد الالكتروني لوزير الدفاع الأمريكي (روبرت غيتس)، لذا فإنّ قبالة مجلس الأمن القومي، وإدارة اوباما مجموعة من الخطوات المهمة تجاه حفظ الأمن القومي الخاص بالمعلومات، وحدد جيمس جونز تحويل هذه المهمة تحديداً إلى مجلس الأمن القومي قبالة الحرب الجديدة، امام تحديات المواجهة في افغانستان والملف النووي الايراني ومشكلات الشرق الاوسط  فضلاً عن ثمة متغيرات أخرى مثل الازمة الاقتصادية وموضوعات  كالاحتباس الحراري، وتغير المناخ، وإصابة بأمراض وأوبئة عالمية.